الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
211
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
نعم ، التقوى والخوف من الله يدعوان الإنسان للتفكير بيوم غده ( القيامة ) بالإضافة إلى السعي إلى تنقية وتخليص وتطهير أعماله . إن تكرار الأمر بالتقوى هنا تأكيد محفز للعمل الصالح ، كما أن الرادع عن ارتكاب الذنوب هو التقوى والخوف من الله تعالى . واحتمل البعض أن الأمر الأول للتقوى هو بلحاظ أصل إنجاز الأعمال ، أما الثاني فإنه يتعلق بطبيعة الإخلاص فيها . أو أن الأول ملاحظ فيه إنجاز أعمال الخير ، بقرينة جملة ( ما قدمت ) . والثاني ملاحظ فيه ما يتعلق بتجنب المعاصي والذنوب . أو أن الأول إشارة إلى التوبة من الذنوب الماضية ، والثاني ( تقوى ) للمستقبل . إلا أنه لا توجد قرينة في الآيات لهذه التفاسير ، لذا فإن التأكد أنسب . والتعبير ب ( غد ) إشارة إلى يوم القيامة ، لأنه بالنظر إلى قياس عمر الدنيا فإنه يأتي مسرعا ، كما أن ذكره هنا بصيغة النكرة جاء لأهميته . والتعبير ب ( نفس ) دلالة على مفرد ، ويمكن أن تعني كل نفس ، يعني كل إنسان يجب أن يفكر ب ( غده ) بدون أن يتوقع من الآخرين إنجاز عمل له ، وما دام هو في هذه الدنيا فإنه يستطيع أن يقدم لآخرته بإرسال الأعمال الصالحة من الآن إليها . وقيل أنه إشارة إلى قلة الأشخاص الذين يفكرون بيوم القيامة ، كما نقول : ( يوجد شخص واحد يفكر بنجاة نفسه ) إلا أن التفسير الأول هو الأنسب حسب الظاهر ، كما أن خطاب يا أيها الذين آمنوا وعمومية الأمر بالتقوى ، دليل على عمومية مفهوم الآية . وأكدت الآية اللاحقة بعد الأمر بالتقوى والتوجه إلى يوم القيامة على ذكر الله سبحانه ، حيث يقول تعالى : ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم . وأساسا فإن جوهر التقوى شيئان : ذكر الله تعالى ، وذلك بالتوجه والانشداد إليه من خلال المراقبة الدائمة منه واستشعار حضوره في كل مكان وفي كل